PDA

عرض كامل الموضوع : الشمري بين كتابة الذاكرة وارتهان التأويل (1)


نـايف العلي
02-02-2005, 02:41 AM
الكتابة والحكاية
الشمري بين كتابة الذاكرة وارتهان التأويل (1)



عالي القرشي
وقع قبل شهور الكاتب عبدالحفيظ الشمري اسمه على إصداره الروائي الأول، المعنون بـ"فيضة الرعد"، ويستقبل القارئ هذا الإصدار بحملة من الإشارات التي يحملها غلاف النص الأول، بهذا الشكل:

ويوحي هذا الأمر بحفاوة الكاتب بإنجازه، ورغبته في أن يعثر على الاسم الذي يشير إلى هذا الإنجاز، وكأن الكاتب بعد أن أنهى عمله يعايش حالة الكتابة والتشكيل؛ فهو الذي تتنازعه أسماء متعددة للدلالة على عمله، فتجد فيه هذه الأسماء الثلاثة، وتجد اللوحة (لوحة الفنان عبدالله الشيخ) التي حاول أن تكون ضوءاً كاشفاً للعمل، ثم تجد وسم العمل بـ"رواية"، ثم تجد اسم الكاتب، وقد ظلّ اسم الكاتب على تجريده الظاهر في هذا الوجه من الغلاف، حيث لم تظهر له صورة شخصية في الوجه الآخر، أو تعريف، حيث لم يتضمن الوجه الآخر من الغلاف إلا مقطعين من الرواية، وإشارة جانبية إلى صاحب لوحة الغلاف.. ويبدو لي أن هذا الإخلاء يحمل رغبة المؤلف، في الالتصاق بالعمل، والصدور من فضائه، ذلك الفضاء الذي فتحه المؤلف، حين خط على ذلك العمل السمة الأولى، حين وسمه بـ"الفئ الأول..."، وجعل اسمه في الأفق الذي يسير له ذلك الخط، في مساحة يتسع فيها أفق المسار، فكان الاسم حاملاً لوعي الذاكرة، ولوعي التأويل الذي جسد هذا العمل، بوقوعه في ذلك المكان من غاية المسار، ومن غاية الكتابة، ولعل وضع خط تحت ذلك العنوان يشي بهذا المسار، ويشي بانفتاح الطريق، ووضع اسم المؤلف أمام ذلك الأفق يشي بالخروج التعب الذي احتضن الصبر، ومرارة الشقاء، ليكون في مرمى ذلك المسار الصعب، بعد أن اختار المؤلف التعرف عليه في هذا العمل من خلال إصداراته السابقة، التي تدرج في سرد "القصة". تاركاً الفضاء مفتوحاً لاستقبال اسم المؤلف من خلال هذا العمل، ومن خلال هذا الجنس الذي وسم به عمله هذا...


ويأتي في الغلاف التركيز على اللون الأسود، الذي يقرن إلى جانبه بدرجة أقل اللون الأزرق، الذي حمل كتابه "حاسة الفضاء"، و"رواية"، فهل جاء ذلك للتخفيف من حدة السواد؟ أو جاء ذلك راسماً للأفق الذي يتناهى في تحديد مسار الأشياء، الفضاء، البحر؟ وهل جاء قرن "رواية" بلون "حاسة الفناء"، تخفيفاً من وقع ذلك بأن يكون مجرد رواية؟ أو أن الرواية هي الكتابة التي نبعت من حاسة الفناء وجسدتها؟ أو أن ذلك رحلة نحو المجهولَ


ولعل بدء هذه العناوين بعنوان"الفيء الأول"، يشير إلى ذلك الفأل الذي يغالب الشقاء الذي تلد منه "الرواية"، وتتناهى إليه، فإذا عرفنا الشقاء في عوامل الرواية، كان ذلك "الفيء" متكوناً من لحظة، أخرى لحظة المصير في عوالم الرواية، هي لحظة الفأل التي بدأت بالكتابة، كتابة الرواية، فهذا هو الفيء الأول الذي ينتظر تعاقب البداية.. وأما علامية "طلح المنتهى" فهي تشير إلى صبر ذلك الشجر، وعناده، وانتزاعه الحياة من قسوة الزمان، وقد جاء في الرواية الإشارات إلى ذلك في مثل الصفحات "28، 154، 155".


ويتداعى "طلح المنتهى" بالنقيض من "سدرة المنتهى" المذكورة في سورة النجم، تلك السورة الحاملة لبشارة الخير والنعيم، إذ ان تلك السدرة عندها "جنة المأوى"...


وقد حمل النص في "طلح المنتهى"، ذلك النقيض من العذاب والشقاء الذي يكتنف مصير هذا الوادي، فها هي "غزالة" الشخصية المحورية في "الرواية"، يقول عنها النص مستبطناً حوارها مع ذاتها: "همست في ذاتها الغائبة تماماً:


من أين أتيت يا فيضة الشقاء؟!! وإلى أين أنت عابرة بهؤلاء الأبرياء، والسذج، وذوي العقول المقفلة، إلى طلح المنتهى.. مأوى الرمضاء والسراب، والأشباح التي تعاند سياط الضوء الباهر؟" الرواية ص


155.وهنا نجد أن كلمة "مأوى" تشير إلى ذلك الاستدعاء الذي يشي بالمسافة الشاسعة بين النقيضين، ويزيد الشقاء الذي يكتنف هذا الوادي شقاءً وبؤساً.. ثم إنه يشي أيضاً بنقيض المسار، مسار جنة المأوى الاستقامة، وطريق الخير، وانفتاح العقل، واستقبال العلم، ومسار طلح المنتهى السذاجة والجهل والإذعان لحبال الهوى..


وأما اختيار لوحة الفنان "عبدالله الشيخ" فذلك مسايرة للتقليد الذي سارت عليه بعض دور النشر، وسار عليه بعض المبدعين، في اسقاط دلالات لوحة على أعمالهم؛ يدقق بعضهم في اختيارها، أو تشكل خصيصاً لهذا العمل أو ذاك.. لكن هذه اللوحة التي اختيرت لـ"فيضة الرعد"، تحمل علاقات لا تتقاطع مع علاقات النص على نحو تندغم فيه اللوحة في ذهنية النص، حيث حملت اللوحة صورة من الريف ذات أطر مغلقة، بينما كانت ذهنية النص رحلة ومسار، ومغالبة للعسف، والجور، والمرض... والخوف من المجهول...


وإذا انتقلنا من العناوين الخارجية إلى العناوين الداخلية؛ نجد هناك عناوين الفصول التي تأتي في جمل مثل:


* الجبل الذي تراه يهتز من المؤكد أنه يوحي بحجم المعضلة.


* لنر الفجر.. فالليل الذي يحتضر وتثكله النجوم سيلد من موته خيوطاً بيضاء تغزلها حلكته.


* نسافر مكرهين لأن المدن تبحث عن زوار تعساء يبحثون عن ألق ذواتهم..


* الدود الذي نفل وجوه سادتي الموتى.. هاهو يزحف على سخام الأرض معفراً وجهه بالتراب.


وتنقل هذه الجمل إحساس الراوي نحو استكناه العذاب والشقاء، ومغالبة أهل الفيضة له.. وتعتمد هذه الجمل على مجاز اللغة، مستثمراً شاعريتها، وإضفاء إحساس القلق، وانغلاق المصير على حركة الحدث.. لذلك تبدو هذه الجمل إضاءات معلقة في فضاء النص، ليست محكمة الارتباط به، على نحو يلحمها بالنص، ويجعلها جزءاً من ذهنيته، فهي ذهنية القارئ بعد أن كتب وقرأ.. لذلك كانت منفصلة عن النص.. ويختلف هذا الصنيع هنا عنه في رواية (عبده فال)، "الموت يمر من هنا"، حيث عنون الراوي هناك للفصول بأقوال ملتصقة بالشخصيات، أو بأهل القرية، أو بالحس الشعبي أو من الموروث الثقافي، حيث يحمل كل عنوان توقيع من قال ذلك القول... فجاءت لذلك هذه الأقوال ملتصقة بذهنية النص ومرتبطة به، بخلاف عناوين هذه الرواية...

نـايف العلي
02-02-2005, 02:43 AM
الكتابة والحكاية
الشمري بين كتابة الذاكرة وارتهان التأويل (2)



عالي القرشي
منذ البدء في رواية "فيضة الرعد" نشعر أننا امام حياة مكتنزة بالأسرار، لكنها محفوفة بالصمت امام البطلة "غزالة" التي أقعدها المرض عن الحركة وعن الكلام.. وهنا نجد ان كتابة الرواية توظف المرض بما فيه من صمت حدثاً تؤول إليه نهاية صوت هذه المرأة، وتوظف ذلك الصمت رمزاً للقهر والغبن واليأس، وتوظف ذلك الصمت في الآن نفسه فضاء لإطلاق كتابة التأويل وإشعال فضاء صمت تلك السيرة.

وتمارس الرواية ذلك بوعي تلتقي فيه الأبعاد الثلاثة؛ بعد الصمت المآل لحياة كافحت حتى ألقت مجاديفها، وبعد الصمت الذي يصبح دلالة رامزة إلى ذلك القهر والتسلط الذي أخمد ذلك الصوت..، وبعد الصمت الذي يزيح حركة الحدث لينشط حركة الكتابة والتأويل.. يقول النص: "(غزالة) بعد صخبها، وعنفوان صهيلها، ها هي تترجل كما يليق بفارس هدّه العناء، واثخنته جراح الهزيمة.. عهد (حدران الكيس) وأهله.. ذلك الذي تعجز ان ترويه لنا بعد ان فاجأها ظلام الصمت، وكمم فمها عناء المرض. لكن هناك من سيروي هذا العهد" ص


6.لذا تجيء الكتابة في الرواية خلاصاً من الصمت، وضرورة لافهام القريبين من غزالة ما تريد.. يقول السرد: "اعتادت (غزالة الملاحي) مداومة الصمت، إلا ما تفصح عنه بين الحين والآخر في الكتابة بيدها الوحيدة، وبخط مرتعش من طلب أو سؤال أو احتجاج" ص


6ويضع الكاتب هذه الضرورة للكتابة مهاداً لأن تحمل الكتابة بإعادة سيرة هذه الفتاة، وبالاستماع اليها عبر هذه الرواية خروجاً من دائرة الصمت والانغلاق إلى فضاء الكتابة، ومغالبة اليأس، ولذلك تأتي الاشارة إلى الاستماع لهذه السيرة مجللة بمغالبة الصمت، ومجاوزة اليأس، وتواقة إلى سماع قصة ذلك الصوت الذي أعياه الكلام..


يقول السرد "من يقول لنا شيئاً - ولو يسيراً - من سيرة هذه المرأة التي اضحت على هذه الحال؟ سؤال محير وشاق.. ربما الإجابة عليه تحتاج وقتاً أطول، وتقتضي حسن صبر وإنصات، فسيرتها مكابدة بائنة" ص


7يصر الراوي على ان ندخل عالم الرواية، ونحن نشعر ان سرد الرواية شق لحجب الصمت، ان فعل الكتابة ليس تسجيلا لحدث، وانما هو فعل حيوي تمارسه الكتابة حينما تتزيا فعل الرواية، وحين تلتصق بالصمت، تواجهه، تحكي انهزام البطل في اللحظة التي تعلن فيها انها الوجه المكتوب لحياة البطل.. الذي تغدو سيرته سقيا ودواء يقول النص: "ستروي تحت عرائش الصمت الشحيحة الظل بعضاً من سيرتها. ستداوي - إن امكنها ذلك - بعض الجراحات والندوب بما تخطه من كلمات بيد راعشة، وذاكرة لا تسعفها احياناً في ايصال ما تقوله عن آخر هذا الزمان"ص


11وهنا نجد ان (ذهنية النص) حركة ممتدة، ومتنامية بين شخصية الحدث، وبين حالتي الكتابة، لدى تلك الشخصية وفي حالة سرد الراوي.. فالجراح التي ترويها "غزالة"، يرويها الراوي، وعالم غزالة الذي يحتاج تلك الكلمات، هو عالم الراوي الذي يجترح تلك الكتابة..


وما إقامة الإعاقة في الرواية، الا محاولة لاجتراح العالم القابع خلف بوابات الصمت والحواجز والعجز، فكأن الرواية تحدث الصمت والعجز لتقهره، وتحدث الصمت لتكتب تلك السيرة التي رسمت البطلة وحيدة في الرؤية والاستبصار، يقول السرد: "وحدها (غزالة) تبصر المفازة، وتقترب من بئر العطش، لكن لن تسقي أحداً منه" ص




777.11سرد الراوي "غزالة"، ذات بطولة وحيدة، كما أشار إلى ذلك النص، لكنه جعل هذه البطولة غير منتهية إلا إلى العجز والصمت.. وربما أدى سرد هذه السيرة إلى ان يضفي الكاتب على الشخصية المحورية "غزالة"، شيئاً يخالف حالة حركتها في السرد، فمثلا تجد الكاتب يقول"وغاب عن أذهانهم صدى حديثها الذي ينصف المظلوم، ويرفع بعض الظلم، ويقف في وجه الظالمين" ص206، بينما هو يقول في حديث سابق "ظلّت (غزالة) وفي غيابات (فتال) في دوامة انتظارها للخلاص من ذل الفيضة، تشحن ذاتها في هواجس الصبر والجلد لتخيط في فضاء هذا العالم حولها رداء الفأل لتجعل منه يقيناً يساعد هؤلاء، لعل هؤلاء الأبرياء السذج خائري القوى، وقليلي العقول ان يثقوا بما تقوله هذه الأنثى التي تهم بمواجهة (حدران) الذي اصبح مع تقادم العهد مرضاً ووهماً تعيشه" ص


118.وأظن اننا إذا قرنا النصين إلى بعضهما، وجدنا ان النص الذي سبق يتجاوز هذا الوهن، والنية، والوهم إلى ان يجعله الكاتب صوتاً ينصف المظلوم، ويقف في وجه الظالمين.. حيث تجد ان ذلك الذي خلعه الكاتب شيئاً من أماني الكاتب، وليس أمراً متنامياً من حركة الشخصية.


وحتى أهل الفيضة الذين يرسمهم هذا النص (ص 118) سذجاً، ابرياء، خائري العقول، نجد النص في لحظة من اللحظات يلبسهم ما ليس من زيهم، وما ليس متوقعاً منهم، فهو يقول عنهم ص 118"في فصل كهذا تضيق النفوس، ويتحول أهل الفيضة إلى شياطين معجونين بروح التمرد والرفض والمشاكسات والإكثار من الجلوس في المحاكم، ومناكفة القضاة ليتعرض بعضهم للسجن أو الضرب.."




777وربما أدى حرص الكاتب على استنطاق هذا الصمت، ان يستعجل أحياناً صوته فيدخله تأويلا مفاجئاً ومباشراً على عالم الحدث وحركته، فمثلا ص 205نجد هذا القول "هي بقايا حلم فيضة الرعد في نشدان الخلاص، حياتها درس لمن أراد ان يقدم ذاته قرباناً لأطماع الحياة التي لا تحد، هذا قدرك يا فيضة الرعد ان تبقي بلا أخيار يشيرون إلى مواطن الظلم والقهر بشيء من الشجاعة النادرة".


وص 97تجد هذا القول "الرجال هنا كادحون لدرجة ان مهماتهم تدخل أحياناً في مهام البهائم.. قل عنهم خيول أو ثيران أو حمير تدلج في مجاريرها طوال اليوم بحثاً عن اللقمة المعفرة بتراب الفيضة اللاهثة وراء بقائها.."


ومثل ذلك العبارة الواردة في مفتتح ص 130"كان منهجاً دونياً فجائياً يوحي بضآلة وبؤس الحياة في الفيضة، والأودية البالية تلك التي تمقته (غزالة) ولا تراه علاجاً، انما هروب من الواقع إلى واقع اشد بؤساً وتهالكاً".


وأظن ان مثل هذا الاعتماد على التأويل المقرر المباشر يقطع ذهنية النص عن التعالق مع ذهنية القارئ، ويجعل القارئ فقط مرتهناً لتأويل الكاتب، ذلك التأويل الذي من الممكن ان يدعه الكاتب لحركة الحدث، فمثلا الحدث الذي يعلق عليه ص130، لا يغيب عن أي قارئ ان غزالة تمقته، وان هذا الحدث يدل على ضآلة وبؤس، ومحدودية تفكير أهل الفيضة..